المقريزي

416

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

يدغدغها بأسنانه ، ثم يضع عليها ملحا ويشدّ فوقها قطعة رصاص ، فزالت بعد ثلاث مرّات . ومن كلامه الذي كان يؤدّبنا به : لا تألفوا كلاما واحدا يتكرّر منكم في كلّ وقت فتعرفوا به ، وعن قليل يصير لكم لقبا تنبزوا به . ولا تجعل على كتفك رنكا « 1 » تعرف به ، فمن اشتهر بشيء عرف به . وكن كالغراب ينقر ويطير . ولا تجعل نفسك حكاية ؛ وإذا وقع لك شيء فاحكه على لسان غيرك ؛ وقل : وقع لشخص كذا ، واحذر أن تنسب ذلك لنفسك ، فإنه متى أعجبك استحسان من يسمع ذلك فعن قليل يسوؤك نقله عنك . والإشاعة تورث قبح السّيرة . وشيئان يفسدان الأمور : العجلة والإمهال . وإذا خاصمك أحد فلا تهجره ، واحرص على مصالحته ترح نفسك من الوحشة التي تصيبك إذا رأيته وأنتما متهاجران . وأنشدني ، قال : أنشدنا قاضي القضاة علاء الدين عليّ التّركماني الحنفي ، قال : أنشدني ابن البققي لنفسه : تعوّضت عن شرب الحميا بريقه * فلمّا التحى أصبحت ممن يجانبه وكنت أرى ذاك الشّراب بعينه * حلالا إلى أن حرّم الشّرب شاربه وقال لي وقد اشتريت جارية للتّسرّي : يا ابن أختي الجارية مهر غال ، وفرش خال ، وابن بلا خال . وكان يقول : أصحاب الإنسان من جملة حظّه . واتفق له أمر فيه عبرة ، وهو أنه كان له عبد يخدمه ، فتغيّر عليه مرّة وأراد تأديبه ، فأسرّ إلى بعض أصحابه أن يحبسه مع المجانين بالمارستان ، ثم وجه بالعبد إليه في حاجة ، فأخذ الرّجل ذلك العبد وحبسه مع المجانين مدّة ثم أفرج عنه ، فكان من تقدير اللّه أنّ تاج الدين تغيّر عقله في آخر عمره ، وكان قد باع ذلك العبد ، فصار إلى ملكي ،

--> ( 1 ) الرنك : الشعار .